Skip to content
March 2, 2014

نظرة في كتاب “هكذا ظهر جيل صلاح الدين”

Generation Book Cover
 
يسلط الكتاب الضوء على جوانب متعددة في الزمن الذي سبق ظهور جيل نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي و الزمن الذي ظهر فيه والذي يليه.

 
يتميز الكتاب بنظرة شاملة على هذه الحقبة والتي قلما تجدها في كتب التاريخ، ومذيلة بفوائد واستنباطات من استنتاجات المؤلف في هذا البحث.

سوف أستعرض الكتاب بشكل مختصر، ثم أبين الجانب الذي أنتقده فيه.

 
//
 

إن الأسلوب الذي يتم الاستشهاد به في كتب تاريخ الحملات الصليبية وفتح صلاح الدين الأيوبي للمسجد الأقصى يبدأ باستعراض الحملات الصليبية والمجازر التي صاحبتها، ثم تقفز بعد ذلك مدة من الزمن لتبدأ بذكر حركة الفتح التي قادها نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي من بعده والتي انتهت بالتمكين من بيت المقدس، دون مرور عميق للفترة بين هذه وتلك، و كأن ما تحتاجه الأمة -مع التأخر من الداخل- هو قائد مسلم يمضي بالأمة إلى النصر المبين. وهذا الفهم يوجه إلى العمل الفردي و يحول دون المسؤولية الجماعية والعمل الجماعي، و ينمي في النفوس روح الفردية والارتجال والانفراد بالتخطيط. ويصرف النظر بعيداً عن العوامل الحقيقية التي تنخر في الأمة من الداخل (فالأمة الضعيفة من الداخل يستحيل أن تتغلب على الخطر من الخارج).

 

المقدمة السابقة هي الفكرة الأساسية التي يريد المؤلف تسليط الضوء عليها في الكتاب (النصر الذي ظفر به صلاح الدين، لم يكن نتاج عمل صلاح الدين الأيوبي وحده). وبدأ بذكر الحقبة التي سبقت جيل صلاح الدين وما كان يشوبها من انقسام وصراع فكري و مذهبي، ومن ثم عرج على تحديات القتل والتخريب التي أفرزها الفكر الباطني. ثم انتقل بعد ذلك المؤلف بالتفصيل في ذكر مظاهر الفساد في جوانب الحياة المختلفة في تلك الحقبة أدت إلى ضعف العالم الإسلامي آنذاك أمام الهجمات الصليبية.

 

ثم شرع المؤلف في ذكر دور مدارس التجديد والإصلاح، كمدرسة أبي حامد الغزالي -والتي أسهب فيها كثيراً-، ومدرسة عبد القادر الجيلاني وغيرها من المدارس. وبدأ بالحديث عن دولة جيل نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي من بعده، وأبرز السمات التي ظهرت على مختلف جوانب حياة تلك الحقبة “و أن التغيير المثمر يحدث حين يبدأ القوم بقسطهم من تغيير ما بأنفسهم”، و انتهاءً بفتح ذاك الجيل للمسجد الأقصى.

 

ففي معرض حديثه عن ميادين الإصلاح عند الغزالي، يقول المؤلف:

أولاً: العمل على إيجاد جيل جديد من العلماء والمربين:
رأينا فيما مر كيف رد الغزالي أصل العلل في المجتمع الإسلامي إلى فقدان العلماء والمربين الذين يعملون للآخرة لا للدنيا. لذلك كانت الخطوة الأولى في التغيير والإصلاح هي استشعار الحاجة الشديدة لهذا النوع من العلماء، وتحديد المؤسسات والمناهج والأساليب والوسائل والشروط اللازمة لتخريجهم.

و في أواخر الكتاب في معرض حديثه عن ازدهار الحياة الاقتصادية في دولة نور الدين زنكي وصلاح الدين وإقامة المنشآت والمرافق العامة، يقول المؤلف:

شملت الرعاية والعناية جميع نواحي البلاد من المدن والقرى، وجميع ميادين الحياة فيها … فقد بنى نور الدين في دمشق مستشفى وصفه ابن كثير بأنه “لم يبنَ في الشام مثله قبله ولا بعده”. ووقف أوقافاً على ذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل وما أشبه ذلك. ووقف على من يعلم اليتامى وجعل لهم نفقة وكسوة.
كذلك بنى الخانات والفنادق الكثيرة في الطرقات والأبراج ورتّب الخفراء في الأماكن المخوفة، وجعل فيها الحمام الزاجل.

ثم ختم المؤلف بقوانين تاريخية وتطبيقات معاصرة على البحث الذي قدمه في الكتاب.

 
فيقول في معرض حديثه عن ضرر دوران المجتمع في فلك الأشياء دون الأفكار والمبادئ والقيم والعقيدة، وانغماسهم في الترف والاستهلاك وتمزق شبكة العلاقات الاجتماعية وانشغال الناس بأشيائهم وحاجاتهم اليومية:

لهذا أشفق الرسول صلى الله عليه وسلم على الأمة الإسلامية من هذا المصير فقال: ((فوالله ما الفقر أخشى عليكم. ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم)) رواه مسلم.

ويقول:

وثاني عناصر النظام والترتيب في الدعوة، أن يقترن المظهر الديني للعبادة مع المظهر الاجتماعي، والحذر من الفصل بين المظهرين … وأن يكون محور المظهر الاحتماعي هو العدل والحرية والمساواة والشورى.

ويقول في تواضع المنتصر ورحمته:

[ولقد نهى الله] الفئة المؤمنة التي انتصرت في بدر من تقليد البطر القرشي حين خرج على رأسه أبو جهل وهو ينادي: والله لا نرجع حتى نرد بدراً ونقيم ثلاثاً نشرب الخمر وتغنينا القيان والمعازف، تسمع بنا العرب وبمسيرنا فلا يزالون يهابوننا أبداً.
((ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط، وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب))

ونهى المسلمين ألا يتصاعد بهم البطر ويطلقوا شعارات التشفي وعبارات الفخر وأفعال الانتقام عند الدخول منتصرين فاتحين، وأبدلهم بذلك استغفاراً من رؤية حظوظ النفس وأن يحمدوا الله [وحده وأن ينسبوا النصر إليه وحده].
((إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا))

وهذا ما تأوله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدخل مكة حانياً رأسه … حتى إذا التقى بجموع قريش المهزومة الذليلة قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
وهو كذلك ما استلهمه عمر بن الخطاب وهو يقدم إلى الشام – بعد فتحها-، ويدخل القدس ماشياً وخادمهُ راكب.
وهذا أيضاً ما اقتدى به صلاح الدين وهو يسترجع القدس ممن خاضت ركب خيولهم في ساحات الأقصى بدماء المصلين والعلماء وطلبة العلم والعباد.

 
//
 
أنتقد الكتاب في جانب إسهاب المؤلف في عرض دور أبي حامد الغزالي -رحمه الله- إذ يوحي للقارئ أن له الدور الأهم فيما نتج في جيل صلاح الدين و هو ما يخالف الفكرة التي بنى عليها البحث والمتمثلة في “هل كان صلاح الدين ظاهرة فردية، وشخصية عبقرية معجزة برزت فجأة على مسرح الأحداث طاهرة مطهرة من عوامل الضعف البشري…؟”

 

ختاماً، المؤَلف من الكتب القليلة التي تعطيك بعداً عميقاً وفكرة جديدة شمولية لتاريخ صلاح الدين، والأهم من ذلك ربطه بمختلف جوانب المجتمع وحياتك المعاصرة.

تعليق واحد

أضف تعليقاً
  1. نايف الشهرى / Mar 19 2014

    الله يعطيك العافية اخى مشكور كتير

    [Reply]

أضف تعليقاً